يقول ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، في إحدى مذكراته خلال سنوات الحرب والشك والقرارات المصيرية

*اتزان البصيرة*

بقلم: حبيل رشيد.

يقول ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، في إحدى مذكراته خلال سنوات الحرب والشك والقرارات المصيرية:
«تعلمت بعد تجارب قاسية أن الإنسان لا يُهزم حين تُحاصره الوقائع، بل حين يسمح لانفعالاته أن تكتب له تفسيرًا مريحًا لتلك الوقائع، وحين يفضّل القناعة السهلة على الحقيقة الثقيلة، فيختار أن يرى العالم كما يتمنى لا كما هو، ويُسمي ذلك حكمة، وهو في جوهره استسلامٌ مقنّع»..

ليست العقول، في أصل خلقتها، أدوات محايدة كما نحب أن نتصور.. بل هي ميادين صراع صامت، تتنازعها نوازع دفينة، وميول سابقة، وخبرات مطمورة، وأهواء تتقن التخفي خلف الأقنعة المنطقية.. وما أكثر ما يخال الإنسان أنه يفكر، بينما هو في الحقيقة يبرر.. ينسج الحجج لا ليبلغ الحقيقة، بل ليحمي فكرة قديمة أحبّها، أو موقفًا اعتاد الدفاع عنه، أو صورة عن ذاته لا يحتمل أن تتشقق..

العاطفة لا تقتحم القرار فجأة، ولا تعلن نفسها صراحة.. إنها تتسلل بمهل، كندى خفيف على سطح العقل، حتى تبتلّ الفكرة كلها دون أن يشعر صاحبها.. وحينها يبدأ الانتقاء الخفي.. يُختار من الواقع ما يُرضي النفس، ويُهمَل ما يُقلقها، وتُقصى الوقائع المزعجة إلى هامش النسيان، وكأنها لم تكن.. فينشأ وعيٌ مبتور، لا يرى من الصورة إلا زاوية واحدة، ثم يطالب العالم كله أن يعترف بها باعتبارها الحقيقة الكاملة..

وهنا تتجلى إحدى أعقد آفات الإدراك الإنساني.. أن يتحول العقل من أداة فحص إلى محامٍ بارع، ومن ميزان ترجيح إلى قاضٍ متحيز.. فيُصبح التفكير عملية دفاع لا بحث، ومناورة لا استكشاف، وتبريرًا لا مساءلة.. وكلما اشتدت العاطفة، ازداد هذا الانحراف رسوخًا، حتى يبلغ الإنسان مرحلة يُخاصم فيها الواقع ذاته، لا لأنه مخطئ، بل لأنه لا يوافق ما يريد تصديقه..

غير أن هذا الانفصال عن الحقيقة لا يمرّ بلا ثمن.. إنه يُنتج قرارات مرتجلة، وخيارات عمياء، ومسارات تبدو في ظاهرها حازمة، لكنها في عمقها مسوقة بالهوى.. ومن يتأمل مسارات الفشل الكبرى، في الأفراد والجماعات، يجد أن معظمها لم يكن وليد جهل مطلق، بل ثمرة معرفة انتقائية، وعقل أغلق أبوابه في وجه ما لا يريحه..

ومع ذلك، لا يجوز أن يُفهم هذا الكلام على أنه دعوة إلى تجفيف الوجدان، أو اجتثاث الشعور من جذوره.. فالعاطفة، في أصلها، هي القوة المحرّكة، والنبع الأول للإقدام، وسرّ الإصرار.. لولاها لما نهض إنسان لمشروع، ولا قاوم ظلمًا، ولا صبر على طريق شاق.. لكنها، حين تُترك بلا ضابط، تتحول من معين إلى مستنقع، ومن طاقة إلى طغيان..

إن الرشد الحقيقي لا يولد من إلغاء الشعور، بل من تهذيبه.. من إخضاعه لمعيار، لا من قمعه أو إطلاقه على عواهنه.. فالعقل الجاف عاجز عن الفعل، والعاطفة المنفلتة عاجزة عن الحكمة.. وما بينهما فقط يتشكل ذلك الاتزان الدقيق الذي يُنتج قرارًا نافذًا، وفعلًا مثمرًا، ورؤية أقرب إلى الصواب..

ولعل أبلغ تصوير لهذا التوازن هو تشبيه النفس بدابة جامحة، والعقل بفارس خبير.. الدابة تحمل القوة والاندفاع والسرعة، والفارس يحمل الاتجاه والغاية.. فإن شدّ اللجام حدّ الخنق، توقفت الدابة وعاندت، وإن أرخاه بلا حساب، اندفعت إلى المهالك.. وحده التقدير الحصيف، الذي يعرف متى يُمسك ومتى يُخفف، يصنع رحلة آمنة ومثمرة..

غير أن الإنسان، في الغالب، لا يعرف نفسه كما يظن.. يجهل أسباب اندفاعه، ومصادر غضبه، وجذور خوفه، ودوافع قراراته.. يعيش في وهم الشفافية الذاتية، وهو في الحقيقة لغزٌ على نفسه قبل أن يكون لغزًا على غيره.. يبرر سلوكه بأسباب سطحية، ويتغاضى عن العلل الأعمق، لأنه لم يتعلم مساءلة ذاته بصرامة، ولا تفكيك انفعالاته قبل الانصياع لها..

ثم ينتقل هذا الجهل من الداخل إلى الخارج.. فيظن أنه يعرف الناس، وهو لا يرى فيهم إلا انعكاس رغباته وتوقعاته.. يُسقط عليهم نواياه، ويقرأ تصرفاتهم بعين تحيزه، ويُفسر أفعالهم بما يخدم قصته الداخلية.. فلا يفهمهم كما هم، بل كما يريدهم أن يكونوا.. وهكذا تتكاثر سوء التقديرات، وتتعاظم الخيبات، ويُلام العالم، بينما الخلل في عدسة النظر..

وما يزيد الأمر تعقيدًا أن الإنسان لا يعيش في فراغ، بل داخل مناخ عام، وروح زمن، وتيارات فكرية واجتماعية تضغط عليه من حيث لا يشعر.. يلتقط الأفكار السائدة كما تُلتقط العدوى، ويكرر الأحكام الجاهزة كما تُردد الأناشيد، ثم يتوهم أنه توصل إليها بجهده الخاص.. وحين تُمس هذه القناعات، ينتفض دفاعًا عنها، لا لأنها صحيحة، بل لأنها مألوفة..

في هذا السياق، يصبح التفكير الحر ضربًا من الشجاعة النادرة.. شجاعة أن تُعيد النظر، أن تُشكك في المسلمات، أن تتخلى عن أفكار ورثتها دون تمحيص، وأن تهدم بناءً ذهنيًا أقمت فيه طويلاً، حين تكتشف أنه شُيّد على أرض رخوة.. وهذا المسار لا يحتمل العجلة، ولا يصبر عليه المتوترون، ولا يقدر عليه من يخشون الخطأ..

فالصبر هنا ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل ضرورة معرفية.. لأن الحقيقة لا تُعطي نفسها دفعة واحدة، ولا تنكشف لمن يطلبها بعجلة.. إنها تُظهر وجوهها بالتدريج، وتُكافئ من يواصل الحفر حين يتوقف غيره، ومن يحتمل الشك دون أن يفرّ إلى يقين زائف يُسكّن القلق مؤقتًا..

أما الجرأة، فهي روح هذا المسار.. جرأة على مخالفة السائد، وعلى مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين، وعلى الاعتراف بالخطأ دون انهيار.. فالإنسان لا يبدأ في التحرر من لا معقوليته إلا حين يعترف بها، ولا يضع قدمه على طريق الاتزان إلا حين يُقرّ بأن عقله قابل للانحراف، وأن عاطفته ليست دليلًا معصومًا..

وحين تتضافر هذه العناصر.. انفتاح في الذهن، وصبر في المسار، وجرأة في المراجعة.. يبدأ شيء ما في التغير.. تتراجع حدة الانفعال، ويظهر فراغ صغير بين الحدث ورد الفعل، مساحة صامتة لكنها ثمينة، يُتاح فيها للعقل أن يتدخل، لا ليقمع الشعور، بل ليقرأه، ويفهم منشأه، ويُقرر كيف يُستثمر بدل أن يُستعبد له..

وفي عالم يموج بالضجيج، وتتنازع فيه السرديات، وتُختزل القضايا المعقدة في شعارات ساذجة، يصبح هذا الاتزان مسألة نجاة.. لا نجاة الجسد فقط، بل نجاة الوعي.. لأن أخطر الأوبئة ليست تلك التي تُصيب الأجساد، بل التي تُصيب العقول، فتجعلها ترى الزيف حقيقة، والتهور شجاعة، والانفعال موقفًا..

والخلاص، في نهاية المطاف، لا يكون بالانتصار على الآخرين، ولا بفرض العقل على العالم، بل بالانتصار على الفوضى الداخلية.. أن يتعلم الإنسان كيف يقود طاقته بدل أن تُسيّره، وكيف يُنصت لمشاعره دون أن يُسلّم لها زمام الحكم، وكيف يُعيد للعقل مكانته كمرشد لا كجلاد، وكحَكَم لا كمبرر..

حينها فقط، لا يعود العقل زينة ثقافية، ولا ترفًا ذهنيًا، بل يصبح أداة بقاء، وبوصلة عبور، وسدًّا يحمي الإنسان من نفسه، قبل أن يحميه من العالم..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *