*من سلالة المعنى العصيّ: الكاتبة ثورية هديوي، عاملة المعرفة وسفيرة القراءة في زمن التبدّد.*
بقلم :حبيل رشيد.
يقول عبد الفتاح كيليطو:
«القراءة ليست فعلَ استهلاكٍ للمعنى، وإنما ضربٌ من المجازفة الوجودية؛ القارئ يدخل النص كما يدخل الغريب مدينة لا يعرف خرائطها، فيتعثّر، ويتيه، ثم يهتدي، وحين يخرج لا يعود هو ذاته الذي دخل، لأن الكلمات أعادت تشكيل نظرته إلى العالم، وزعزعت يقيناته، وأربكت طمأنينته، ومنحت للزمن عمقًا آخر لا يُقاس بالساعات وإنما بالأسئلة التي خلّفتها.»
الكاتبة ثورية هديوي تحضر في المشهد الثقافي حضورًا يرفض الهشاشة، ويتمنّع على التوصيف السريع، ويستعصي على الاختزال. عاملة المعرفة وسفيرة القراءة توصيفان يلامسان جوهر مسارها أكثر مما يحيطان به، لأن تجربتها تنبني على تراكم هادئ، وصبر معرفي، ومزاوجة دقيقة بين الاشتغال على اللغة والإنصات لأسئلة الواقع. من مدينة ابن أحمد، حيث التفاصيل الصغيرة تصنع ذاكرة كثيفة، خرج صوتها محمّلًا بوعي لغوي، وحسّ قرائي، ورغبة واضحة في إعادة الاعتبار للكلمة باعتبارها أداة بناء لا زخرفة عابرة.
الكتابة عند ثورية هديوي فعلُ تشكّل داخلي قبل أن تكون ممارسة تقنية. نصوصها تنبثق من تماسّ حقيقي مع اللغة العربية، لا بوصفها وعاءً جامدًا، وإنما كائنًا دلاليًا نابضًا، قابلًا للتجدد، متى وُضع في سياق عناية واشتغال. مفرداتها منتقاة بصرامة، تراكيبها محكومة بإيقاع داخلي، ومعانيها تتحرّك في مساحات التأمل، لا في هوامش التزيين. القارئ أمام نصوصها لا يمرّ مرور العابر، وإنما يُستدرج إلى بطء مقصود، وإلى قراءة متأنية، تفرضها كثافة الدلالة وتشابك الإحالات.
عاملة المعرفة صفة تستمد مشروعيتها من الفعل اليومي، من الانخراط في المبادرات الثقافية، ومن الإيمان بأن المعرفة عملٌ شاق، يتطلّب مثابرة وانضباطًا وتواضعًا أمام النصوص. ثورية هديوي لا تتعامل مع المعرفة كرصيد رمزي، وإنما كمسؤولية أخلاقية. حضورها في الفضاءات القرائية، وفي اللقاءات الثقافية، وفي الأنشطة الهادفة إلى ترسيخ فعل القراءة، يعكس قناعة راسخة بأن الكتاب لا يغيّر العالم دفعة واحدة، غير أن غيابه يترك فراغًا فادحًا في الوعي الجمعي.
سفيرة القراءة، في تجربتها، ليست واجهة احتفالية، وإنما موقع اشتغال. القراءة عندها ممارسة تحرّرية، تعيد ترتيب العلاقة بالذات، وتوسّع أفق النظر، وتكسر العزلة المعرفية. من هذا المنطلق، سعت إلى تقريب الكتاب من فئات متباينة، وإلى تفكيك الرهبة المرتبطة باللغة العربية، وإلى تقديمها في صورة حيّة، قابلة للمساءلة والتفاعل. خطابها القرائي يتجنّب الوعظ المباشر، ويعتمد الإقناع الهادئ، ويستند إلى مثال حيّ، قوامه القراءة المستمرة والاشتغال المتراكم.
مدينة ابن أحمد تشكّل خلفية وجدانية ومعرفية في مسار الكاتبة ثورية هديوي. ليست مجرد فضاء للانتماء، وإنما حاضنة لذاكرة لغوية، ومرآة لتحوّلات اجتماعية وثقافية. من هذه المدينة، انطلقت مبادراتها، وإليها تعود، حاملة همّ الثقافة المحلية، وساعية إلى ربطها بأسئلة أوسع، دون افتعال قطيعة مع المحيط. هذا الارتباط يمنح تجربتها صدقًا خاصًا، ويجعل فعلها الثقافي متجذرًا في واقع ملموس، لا معلقًا في تجريد نظري.
ما يلفت في مسار ثورية هديوي ذلك التوازن الدقيق بين الإبداع والاشتغال الميداني. كتابتها لا تنفصل عن فعلها الثقافي، وفعلها الثقافي يتغذّى من قراءاتها ومن حسّها النقدي. هذا التداخل يمنح تجربتها طابعًا عضويًا، ويجعلها قابلة للتطور، ومفتوحة على إمكانات جديدة. لا تبحث عن الأضواء السريعة، ولا تنجذب إلى الاستسهال الخطابي، وإنما تراهن على الزمن الطويل، وعلى الأثر المتراكم، وعلى بناء علاقة متينة بين القارئ والنص.
في زمن تتكاثر فيه النصوص السريعة، وتتراجع فيه الأسئلة العميقة، يكتسب حضور الكاتبة ثورية هديوي دلالة خاصة. مسارها يذكّر بأن الثقافة فعل مقاومة ناعمة، وأن القراءة ليست ترفًا ذهنيًا، وإنما ضرورة وجودية. عاملة المعرفة وسفيرة القراءة توصيفان يلتقيان في شخصها عند نقطة واحدة: الإيمان بأن اللغة العربية قادرة على استعادة مكانتها، متى وجدت من يصونها بالعمل، ويُحييها بالقراءة، ويمنحها زمنًا للتنفّس والتجدّد.
هكذا تواصل الكاتبة ثورية هديوي إبداعاتها وأنشطتها، بثبات لا يعرف الضجيج، وبقلم يراهن على العمق، وبمشروع ثقافي ينحاز للمعنى، ويؤمن بأن الكتاب، مهما بدا وحيدًا، يظلّ أحد أكثر أشكال المقاومة رقيًا وأبعدها أثرًا.