العربية بريس : المغرب… تاريخ، حضارة، ودرس للأجيال.
بقلم يوسف أمنار – مرشد سياحي وطني مرخص من وزارة السياحة بالمملكة المغربية الشريفة.
كمرشد سياحي، أعيش المغرب يوميًا في كل زاوية، من جبال الأطلس العالية إلى رمال صحراء مرزوكة الذهبية، ومن أزقة فاس العتيقة إلى شواطئ الصويرة البديعة، أرى التاريخ في كل حجر، وأسمع صدى الحضارة في كل مبنى، وأشعر بعبق الماضي في كل نفحة هواء.
لكن هذه الأيام، عندما أرى واقع المغرب السياسي والاجتماعي، قلبي يوجعني. كيف لبلدٍ يمتد تاريخ مجده لأكثر من اثني عشر قرنًا أن يتأرجح بين القمع والخوف والتناقضات الداخلية؟
يا وطني، لقد مرّ المغرب عبر مخاضاتٍ شديدة الصعوبة:
من الإمبراطوريات الأدارسية والمرابطية والموحدية التي وحدت المغرب وأسست دولة قوية ومزدهرة.
مرورًا بعصر العلوم والفكر في سجلماسة و فاس ومراكش، حيث كانت مدن المغرب مراكز علمية وفكرية عريقة تجذب المفكرين من كل أنحاء العالم.
وصولًا إلى الاستعمار الفرنسي والإسباني، حيث قاوم شعبك بشجاعة ونضال طويل قبل أن ينال استقلاله عام 1956.
إن المغرب كان دائمًا رمزًا للكرامة والهيبة السياسية؛ فقد كان أول دولة تعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية عام 1777، موقف تاريخي يُظهر جرأة المغرب ودوره الدبلوماسي المبكر على الساحة العالمية.
ومع كل هذه الإنجازات، كيف نرى اليوم أن تاريخنا العظيم يُهمل ويُقهر أصحابه؟
كيف لنا أن نرى المواطنين يُخافون من رفع أصواتهم، وأن القمع أصبح لغة رسمية في التعامل مع المطالب المشروعة؟
في عملي كمرشد، أروي للزوار قصص المغرب:
عن الأندلسيين الذين وجدوا في المغرب ملجأهم وحافظوا على ثقافتهم وفنونهم.
عن الأسواق التاريخية في الريصاني و مراكش وفاس التي كانت محاور للتجارة العالمية.
عن القصور والمساجد والقصبات التي تشهد على حضارة عريقة.
لكنني أحزن حين أرى وطنًا يواجه أبناؤه بالقوة بدل الإصغاء، ويتجاهل أن الهيبة لا تُبنى بالعنف بل بالعدل والاحترام والمصداقية.
لقد فرّطنا في إرث أجدادنا، وتركنا الأنانية والجشع والخوف على المناصب تتحكم في مصير الأمة، حتى صار المواطن يخاف من رفع صوته، والخوف أصبح ثقافة، والكرامة تهمة، والصمت فرضًا.
يا وطني، أحبك كما أحب كل زاوية من مدنك، كما يحب السائح أول لحظة من انبهاره بجمالك، لكن قلبي يوجعني حين أراك تُقسو على أبناءك وتنسى جذورك المجيدة التي روَتها دماء الأحرار وحكمة العلماء وشجاعة الملوك.
المغرب ليس مجرد أرض، هو قصة حضارة، إرث أمة، ورمز للعقل والكرامة.
لا تجعل الخوف لغتك، ولا القمع هويتك.
ففي أمةٍ تجهل تاريخها، يضيع الحاضر، ويُسرق المستقبل.