من يحاسب من؟ عندما يصبح المواطن ضحية سوء الاختيار وسوء التدبير

من يحاسب من؟ عندما يصبح المواطن ضحية سوء الاختيار وسوء التدبير

بقلم: محمد الفيلالي – العربية بريس

ليست كل الصور مجرد مشاهد عابرة، فهناك صور تختزل واقعاً كاملاً، وتطرح أسئلة تتجاوز حدود الصورة لتلامس صميم تدبير الشأن العام. ومن بين هذه المشاهد، صورة قاعة الاستقبال بأحد المستشفيات العمومية، التي أعادت إلى الواجهة النقاش حول جودة الخدمات الصحية وظروف استقبال المواطنين داخل بعض المرافق العمومية.
المشهد، في حد ذاته، يطرح أكثر من علامة استفهام: هل هذا هو المستوى الذي يستحقه المواطن المغربي؟ وهل تتماشى مثل هذه الصور مع الطموحات الكبرى التي يعيشها المغرب، في ظل الأوراش الإصلاحية والتنموية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله؟
لقد شكل ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطن، محوراً أساسياً في الرؤية الإصلاحية للمملكة. غير أن بعض مظاهر الاختلال التي تظهر من حين لآخر داخل عدد من المرافق العمومية تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول التدبير، والكفاءة، ومدى تحمل المسؤولين لمسؤولياتهم تجاه المواطنين.
فالمشكلة لا ترتبط دائماً بالإمكانيات والموارد، وإنما قد تكون مرتبطة أيضاً بطريقة التدبير، وحسن استثمار الإمكانيات المتاحة، وجودة التخطيط، وربط المسؤولية بالنتائج. فالمواطن لا يطلب المستحيل؛ إنه يريد مستشفى يحفظ كرامته، ومدرسة توفر لأبنائه تعليماً جيداً، وإدارة تحترم وقته، وطرقات آمنة، وخدمات عمومية تليق بمغرب يطمح إلى تعزيز مكانته بين الدول المتقدمة.
لكن في المقابل، يظل هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: من يختار المسؤولين ومن يمنحهم ثقته؟
فالاستحقاقات الانتخابية ليست مناسبة للمجاملة أو لتحقيق مصالح ظرفية، وإنما هي محطة أساسية لاختيار من سيتولى تدبير الشأن العام وتمثيل المواطنين. والصوت الانتخابي مسؤولية وأمانة، ونتائج الاختيار لا تتوقف عند يوم الاقتراع، بل تمتد آثارها إلى سنوات من حياة المواطنين.
ومن هنا، فإن محاربة مظاهر الفساد وسوء التدبير لا تقع على عاتق المسؤول وحده، بل تبدأ أيضاً من وعي المواطن بحجم المسؤولية التي يتحملها عند اختيار من يمثله.
وفي المقابل، فإن المسؤول الذي حصل على ثقة المواطنين مطالب بأن يجعل من هذه الثقة التزاماً حقيقياً، وأن يدرك أن المنصب ليس امتيازاً، وإنما تكليف ومسؤولية تقتضي العمل والإنجاز والاستماع إلى المواطنين والوقوف على مشاكلهم.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة الشعارات والوعود إلى مرحلة النتائج الملموسة. فالمواطن المغربي يريد أن يرى أثر السياسات العمومية في حياته اليومية، داخل المستشفى والمدرسة والإدارة والشارع، وليس فقط في الخطابات والبرامج الانتخابية.
المغرب اليوم يحتاج إلى كفاءات حقيقية، وإلى مسؤولين يؤمنون بأن خدمة الوطن والمواطن شرف ومسؤولية، وأن المصلحة العامة يجب أن تبقى فوق الحسابات الضيقة.
إن المواطن المغربي يستحق خدمات عمومية تحفظ كرامته، ويستحق مسؤولين على قدر المسؤولية. ولن يتحقق ذلك إلا عندما يصبح الاختيار مبنياً على الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، وتصبح المحاسبة ممارسة فعلية وليست مجرد شعار.
فالسؤال في النهاية يبقى مطروحاً: من يحاسب من؟
هل نكتفي بتحميل المسؤولية للمسؤولين، أم نراجع أيضاً طريقة اختيار من نمنحهم ثقتنا؟
إن الإصلاح مسؤولية مشتركة، والارتقاء بالمغرب لا يحتاج إلى المزيد من الكلام بقدر ما يحتاج إلى العمل الجاد، والاختيار السليم، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى يصبح المواطن المغربي فعلاً في صلب كل مشروع تنموي وكل سياسة عمومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
اتصل بنا