أزيد من 1400 مهاجر في ظرف وجيز…
هل فقد الشباب الثقة في المستقبل أم فقد الوطن القدرة على احتضانهم؟
لم تعد الهجرة السرية مجرد مغامرة محفوفة بالمخاطر، بل أصبحت بالنسبة إلى آلاف الشباب والنساء والأطفال والقاصرين خيارا يفرض نفسه في ظل واقع يراه كثيرون صعبا. فمشاهد القوارب المحملة بالمهاجرين، وأخبار الغرق والاختفاء في عرض البحر، لم تعد أحداثا استثنائية، بل تحولت إلى مشاهد متكررة تطرح أسئلة عميقة حول الأسباب التي تدفع المواطنين إلى مغادرة وطنهم بهذه الطريقة.
إن تسجيل أزيد من 1400 مهاجر سري اكثرهم مغاربة, في ظرف وجيز يطرح أكثر من علامة استفهام حول واقع التنمية وفرص العيش الكريم. فهل تعكس مؤشرات التنمية والإصلاح التي تعلنها الحكومة الواقع الذي يعيشه المواطن، أم أن هذه المؤشرات لا تعكس الصورة الكاملة؟ وهل الأرقام المعلنة مجرد قراءة رسمية، أم أنها تعبر بدقة عن حقيقة الأوضاع على الأرض؟ إنها أسئلة يطرحها الرأي العام في ظل استمرار نزيف الهجرة السرية.
إن استمرار هذه الظاهرة يعكس، في نظر عدد من المراقبين، شعورا متزايدا بالإحباط وفقدان الأمل في المستقبل داخل الوطن. فالفقر، والبطالة، والهشاشة، والتفاوتات الاجتماعية، كلها عوامل تدفع الشباب إلى الاعتقاد بأن فرص الحياة الكريمة أصبحت خارج الحدود، رغم إدراكهم أن طريق الهجرة السرية قد ينتهي بالموت أو الفقدان.
وفي المقابل، يرى منتقدون أن الحكومة لم تنجح في الإنصات إلى مطالب المواطنين، وأنها تعتمد نهج اتخاذ القرارات وتنفيذها دون فتح حوار كاف مع مختلف الفاعلين. كما يعتبرون أن الولوج إلى الوظيفة العمومية أصبح أكثر صعوبة، وأن مساحات الدفاع عن الحقوق والترافع والاحتجاج تقلصت، مستشهدين بما عرفته بعض القطاعات من توترات شملت أساتذة ومحامين وصحفيين ونشطاء. ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذه العوامل، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ساهمت في تعميق فقدان الثقة لدى فئة من الشباب.
كما يطرح الرأي العام تساؤلات حول مدى تعبير الأرقام الرسمية عن الحجم الحقيقي للهجرة السرية، خاصة في ظل تواتر الأخبار والصور التي توثق محاولات الهجرة بشكل متواصل.
إن الهجرة السرية ليست مجرد أرقام في التقارير، بل هي قصص إنسانية مؤلمة، وأحلام مؤجلة، ورسالة واضحة تستوجب الوقوف عندها بجدية ومسؤولية. فالوطن الذي يفقد شبابه يفقد جزءا من مستقبله، ولا يمكن مواجهة هذه الظاهرة إلا بسياسات تعيد الثقة، وتوفر فرص الشغل، وتحقق العدالة الاجتماعية، وتفتح آفاقا حقيقية أمام الأجيال الصاعدة.
وفي ظل استمرار هذا النزيف، ترتفع أصوات تطالب بتحمل المسؤولية السياسية عما آلت إليه الأوضاع، والدعوة إلى مراجعة السياسات العمومية وإطلاق إصلاحات عميقة. ويذهب بعض الفاعلين إلى المطالبة بحل البرلمان والعودة إلى صناديق الاقتراع وإعادة ترتيب المشهد السياسي، باعتبار ذلك، من وجهة نظرهم، مدخلا لاستعادة ثقة المواطنين ومعالجة الأسباب التي تدفع الشباب إلى الهجرة بدل البقاء والمساهمة في بناء وطنهم.
بقلم: حسن أبلعيد مراسل العربية بريس ـ شيشاوة