حين تنطق الأزقّة بالحياة… رجاءٌ يتجدّد في قلب مدينة ابن أحمد

 

 

حين تنطق الأزقّة بالحياة… رجاءٌ يتجدّد في قلب مدينة ابن أحمد

بقلم/ حبيل رشيد

تشهد مدينة ابن أحمد هذه الأيام دينامية عمرانية لافتة، حيث انطلقت الأشغال بحي الرجاء في إطار الصفقة التي أعلنت عنها جماعة ابن أحمد، والتي تشمل زنقة المهدي بنبركة وزنقة 11 يناير على جزأين، في خطوة تعكس رغبة حقيقية في إعادة الروح إلى واحد من الأحياء التي ظلت لسنوات تنتظر لحظة الإنصاف.

حي الرجاء، الذي يحمل اسمه الكثير من التطلعات، يعيش اليوم تحولا تدريجيا يعيد إليه مكانته داخل النسيج الحضري للمدينة. لطالما اشتكى سكانه من اهتراء البنية التحتية، وتراجع جودة المسالك، وضيق الفضاءات، لكنهم اليوم يشاهدون واقعاً جديداً يتشكّل أمام أعينهم: آلات تشتغل، عمال يتحركون بصمت، وتخطيط عمراني يسعى إلى معالجة تراكمات سنوات طويلة. إن ظهور هذه الأوراش يرسل رسالة واضحة، مفادها أن الوقت قد حان لرد الاعتبار لهذه المنطقة، وإعادة تشكيلها وفق معايير تحترم كرامة الساكنة وتحسن ظروف عيشهم.

إن تدخل الجماعة وإطلاق الصفقة التي شملت الأزقّة المذكورة، ليس مجرد تهيئة سطحية، بل هو مشروع يستهدف البنية التحتية الأساسية: إعادة تبليط، تحسين شبكات الصرف، إعطاء عناية خاصة للمسالك التي ظلت زمناً طويلًا تعاني من الإهمال، ثم العمل على جعل هذه الأزقة صالحة، آمنة ومهيأة للحياة اليومية للسكان، بما يتناسب مع حاجياتهم وتطلعاتهم.

وما يميز هذا الورش ليس فقط طابعه التقني، بل رمزيته. فإعادة تأهيل زنقة المهدي بنبركة، ذات الحمولة التاريخية، إلى جانب زنقة 11 يناير المرتبطة بذاكرة وطنية مشتركة، يعكس حرصاً على صيانة الذاكرة الحضرية للمدينة، وفي الوقت نفسه ربط الماضي بالحاضر عبر مشاريع واقعية تمس حياة الناس بشكل مباشر.

ويشهد المارة وزوار الحي أن الإيقاع اليومي للأشغال يسير بثبات، في تناغم بين الجهد التقني وبين انتظار الساكنة التي تتطلع إلى انتهاء المشروع بأفضل جودة ممكنة. فالتهيئة ليست مجرد معابر إسفلتية، بل هي عنصر أساسي يحدد جمالية الحي، ويؤثر على حركة التجارة، والتنقل، بل وعلى الإحساس العام بالراحة والانتماء.

إن مدينة ابن أحمد، التي بدأت خلال السنوات الأخيرة تستعيد شيئًا من ديناميتها التنموية، تحتاج إلى مشاريع مماثلة تغطي باقي الأحياء والمناطق، لأن التنمية ليست مجرد لحظات احتفالية، بل هي مسار طويل من الإصلاحات المتدرجة. وما يحدث في حي الرجاء اليوم يقدّم نموذجاً عملياً على أن الإرادة حين تتوفر تُترجم بسرعة إلى أفعال، وأن التخطيط حين يُنجَز بضمير يمكنه أن يغيّر واقعاً بأكمله.

ولعل الأثر الأكبر لهذه الأشغال، يتجاوز الجانب المادي إلى الجانب الاجتماعي، فالسكان يشعرون بأن صوتهم مسموع، وأن حاجياتهم مطروحة فوق طاولة النقاش العمومي، وهذا وحده كفيل بتقوية ثقتهم في المؤسسات. هذه الثقة التي يحتاج إليها أي مشروع إصلاحي لكي يستمر ويتطور.

كما أنّ تحسين وضعية الأزقّة والبنية التحتية في الأحياء السكنية يُسهم في تقليل الحوادث، وتسهيل حركة النقل، ورفع قيمة العقار، وتحسين جمالية المشهد العام، ما يجعل هذه الأوراش ليست فقط لتقوية الأرض تحت الأقدام، بل تقوية العلاقة بين المواطن ومحيطه، وبين المدينة وهويتها العمرانية.

ولا يمكن إنكار أن بعض المشاريع تعرف تعثرات أو تأخراً في بعض المدن، لكن الأهم أن نرى في حي الرجاء نموذجاً مختلفاً: مشروعاً بدأ بخطوات واضحة، معلنة، ومسيرة تنفيذية قابلة للملاحظة من طرف الجميع. وهو ما يكرس ثقافة تتجاوز الوعود إلى الفعل، وتنتقل من الخطابات إلى الإنجاز.

ولأن أي ورش تنموي يبقى رهيناً بحسن المتابعة والحرص على الجودة، فإن المسؤولية مشتركة: الجماعة مطالبة بضمان تتبع صارم لمراحل الأشغال، والشركة المنفذة مطالبة باحترام دفاتر التحملات، والساكنة مطالبة بالحفاظ على المكتسبات بعد اكتمال المشروع. فالتنمية ليست فعلاً من طرف واحد، بل هي علاقة تعاون بين جميع الأطراف.

إن حي الرجاء يستعيد اليوم جزءاً من جماله الذي غاب طويلاً، ويسترجع نسقه العمراني الذي لطالما انتظره السكان. وما نراه اليوم ليس سوى البداية: بداية لمسار أكبر، مسار يجعل من ابن أحمد مدينة تليق بتاريخها وناسها ورمزيتها داخل المنطقة.

ومهما كانت التحديات، تبقى الأشغال الجارية خطوة في الاتجاه الصحيح، خطوة ستترك أثرها على حياة الناس، وعلى مستقبل المدينة، وعلى صورتها العامة. ففي كل حجر يُرصف، وفي كل متر يُعاد تبليطه، وفي كل مسلك يُعاد ترتيبه، هناك رسالة أمل تُكتب: أمل في تنمية حقيقية، وواقع حضري أفضل، ومكانٍ يعيش فيه الإنسان بكرامة وطمأنينة.

نسأل الله التوفيق والسداد، وأن تكون هذه المشاريع بداية لسلسلة من المبادرات التي تعيد لمدينة ابن أحمد قيمتها ومكانتها بين المدن، وتمنح سكانها ما يستحقونه من اهتمام ورعاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *