حين تتحول التنمية من مشروع مادي إلى عقد أخلاقي: بين بريق المدن ووفاء الجذور
بقلم: عبد الله أيت المؤدن
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، ومع اندفاع العديد من الكفاءات نحو المراكز الحضرية الكبرى بحثاً عن فرص أفضل، يطفو على السطح سؤال جوهري: ما هو المعنى الحقيقي للنجاح؟ وهل يُقاس فقط بما يحققه الفرد من مكاسب مادية، أم بقدرته على رد الجميل لجذوره الأولى؟
لم يعد النجاح اليوم مجرد أرقام في الحسابات البنكية أو مظاهر رفاهية، بل أصبح يُقاس بمدى مساهمة صاحبه في إحداث أثر إيجابي في محيطه الأصلي، خاصة في المناطق التي شكلت بداياته الأولى. فالتنمية، في بعدها العميق، ليست مجرد مشاريع إسمنتية أو بنى تحتية، بل هي التزام أخلاقي تجاه الأرض والإنسان والذاكرة.
إن العديد من النخب التي نشأت في مناطق مهمشة، وعاشت قسوة الظروف وشظف العيش، مطالبة اليوم بأن تتحول إلى جسور حقيقية تعبر من خلالها التنمية إلى تلك القرى والمداشر. فالتنكر للأصل والجغرافيا لا يمثل فقط جحوداً أخلاقياً، بل يعطل دينامية التنمية المحلية ويعمق الفوارق المجالية.
فالنجاح المهني، سواء تحقق في المدن الكبرى أو خارج الوطن، يفقد جزءاً كبيراً من قيمته إن لم يُترجم إلى مبادرات ملموسة تعود بالنفع على البيئة التي احتضنت البدايات. من هنا، تبرز أهمية استحضار نماذج من الكفاءات التي ما فتئت تدعو إلى الارتباط بالأصل والانخراط في تنمية الجهات، خاصة المناطق التي لا تزال في حاجة إلى استثمارات بشرية ومادية.
التنمية الحقيقية تبدأ من الحفاظ على الذاكرة الجماعية، وصيانة التراث، وتعزيز الروابط الاجتماعية، ليس فقط في بعدها الرمزي، بل كمدخل لإعادة بناء الثقة والانتماء. كما أن المسؤولية الاجتماعية للنخب تفرض عليها الانتقال من مرحلة المعاناة الفردية إلى مرحلة صناعة الأمل الجماعي، عبر دعم المبادرات المحلية وخلق فرص الشغل.
ويُعد هذا الانخراط ضرورة ملحة لعدة اعتبارات، أولها رد الاعتبار للمجالات المهمشة عبر تحويلها إلى فضاءات جاذبة للاستثمار، وثانيها تعزيز الهوية الوطنية التي تشكل ركيزة أساسية لمواجهة تحديات العولمة، وثالثها تحقيق العدالة المجالية من خلال توزيع عادل لثمار التنمية.
في المقابل، يظل أخطر ما يهدد هذا المسار هو ما يمكن تسميته بـ”الخيانة الناعمة”، حين تنسى بعض النخب أصولها تحت تأثير بريق المدينة، فتغيب مساهمتها في تنمية مناطقها الأصلية. هذا السلوك، وإن بدا فردياً، إلا أن تأثيره جماعي، ويُضعف جهود التنمية الشاملة.
وفي هذا السياق، تؤكد التوجيهات الملكية باستمرار على ضرورة انخراط الكفاءات في تنمية مناطقها، باعتبار أن التنمية الحقيقية هي التي يلمسها المواطن في حياته اليومية، وليس فقط تلك التي تُقاس بالمؤشرات التقنية.
إن الرهان اليوم لم يعد مادياً فقط، بل هو رهان أخلاقي بالأساس. فالتنمية تبدأ من الاعتزاز بالجذور، وتتجسد في مبادرات تعيد الحياة إلى المناطق التي كانت يوماً منطلقاً لكل نجاح. لذلك، فإن الوفاء للأصل ليس مجرد خيار، بل مسؤولية وطنية تفرضها قيم الانتماء والاعتراف.
ختاماً، يظل الارتباط بالجذور هو الضامن الحقيقي لبناء مستقبل متوازن، لأن من يفرط في ذاكرته وماضيه، يصعب عليه أن يؤسس لمستقبل مستقر. فالتنمية، في جوهرها، ليست فقط بناء الحاضر، بل صون الماضي واستشراف المستقبل.