*ثورية هديوي… شهادة المعنى ومسؤولية الكلمة في ملتقى سفراء التنمية الثاني عشر*

*ثورية هديوي… شهادة المعنى ومسؤولية الكلمة في ملتقى سفراء التنمية الثاني عشر*

بقلم حبيل رشيد.

تقول الأستاذة ثورية هديوي: «بالفعل كان ملتقى سفراء التنمية في دورته الثانية عشرة، بيالوفا تركيا، لقاءً مميزاً ومثمراً…»، وليس في هذا الاستهلال ما يوحي بعبارة مجاملة أو توصيف عابر، بقدر ما يحمل نبرة شاهدٍ أدرك قيمة ما عاين، واستوعب أبعاد ما جرى، فاختار أن يختصر التجربة في كلمات قليلة، لكنها مشحونة بالدلالة، كثيفة المعنى، وصادقة النبرة.

لقد بدا هذا الملتقى، من خلال شهادة الأستاذة ثورية هديوي، أقرب إلى فضاءٍ جامع للوعي قبل أن يكون مجرد إطار تنظيمي، وأقرب إلى رسالةٍ مشتركة منه إلى حدثٍ مؤقت. فكونه «مميزًا ومثمرًا» لا يُقاس فقط بثراء برامجه أو تنوع جلساته، وإنما بما تركه من أثر معرفي وإنساني، وبما أتاحه من تلاقٍ صادق بين أشخاص جمعهم همّ واحد، وسؤال واحد، وإن اختلفت أوطانهم وتجاربهم.

وتؤكد الأستاذة أن هذا اللقاء «جمع ثلة من التربويين، والمرشدين الأسريين»، وهي عبارة تحمل في طياتها تقديرًا لدور هذه الفئة، التي اختارت أن تكون في الصف الأول من معركة البناء الهادئ، والبطيء، والعميق. فالتربية والإرشاد الأسري ليسا مجالين طارئين، ولا ترفًا فكريًا، بل هما صميم أي مشروع إصلاحي يروم الاستدامة. إن الاجتماع حول هذا الاختصاص بالذات، يكشف وعيًا متقدمًا بأن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الخطابات الكبرى، بل من الإنسان في بيته، ومن القيم في تفاصيلها اليومية.

وفي هذا السياق، تبرز عبارة الأستاذة ثورية هديوي التي تقول فيها إن الملتقى «جسّد معنى أن يكون العالم العربي والإسلامي جسداً واحداً». هذه العبارة، على بساطتها، تختزل رؤية حضارية كاملة، تتجاوز الجغرافيا والسياسة والاختلافات الظرفية، لتؤكد أن ما يجمع هذه الأمة أعمق مما يفرقها، وأن القضايا المصيرية، وعلى رأسها الأسرة، لا يمكن مقاربتها بمنطق التجزئة أو الانعزال. لقد كان هذا الجسد الواحد حاضرًا لا في الشعارات، بل في النقاشات، وفي تبادل التجارب، وفي الإحساس المشترك بثقل المسؤولية.

وتضيف الأستاذة أن هذا الجسد الواحد «يحمل نفس الهموم في إصلاح الأسرة بكل مكوناتها»، وهنا تتجلى روح الملتقى بوضوح. فالأسرة، كما يُفهم من هذا القول، ليست كيانًا بسيطًا أو أحادي البعد، بل منظومة مركبة، تتداخل فيها الأدوار، وتتقاطع فيها القيم، وتتعرض لضغوط متزايدة بفعل التحولات الاجتماعية والثقافية. إن الهمّ المشترك الذي تحدثت عنه الأستاذة هو همّ إعادة التوازن، وترميم ما تصدّع، وتحصين ما تبقى من منظومة أخلاقية باتت مهددة بالتآكل الصامت.

وتبلغ شهادة الأستاذة ذروتها حين تؤكد أن الأسرة «هي الركيزة الأساسية في بناء مجتمع صالح مبني على القيم النبيلة، والأخلاق الرفيعة». هذه العبارة لا تحتمل التأويل ولا المواربة؛ فهي تضع الأسرة في موقعها الطبيعي بوصفها الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فلا تعليم يثمر دون أسرة واعية، ولا تنمية تستقيم دون بيت متماسك، ولا قيم تصمد إن لم تجد حضنًا أوليًا يحتضنها ويغذيها. إن هذا التصور يعكس عمق الرؤية التي حكمت الملتقى، وجعلت من القيم محورًا لا شعارًا.

ولا تقف شهادة الأستاذة ثورية هديوي عند البعد الفكري فقط، بل تمتد إلى البعد الإنساني والتنظيمي، حين تتقدم بالشكر «على حسن اختيار مكان المؤتمر»، في إشارة واعية إلى أثر الفضاء في نجاح الرسالة. فالمكان ليس تفصيلاً محايدًا، بل عنصرًا مؤثرًا في المزاج العام، وفي جودة التفاعل، وفي قابلية الانفتاح والحوار. وقد كانت يالوفا، بما تحمله من هدوء وجمال وتنظيم، فضاءً مناسبًا لملتقى يُراهن على العمق لا على الصخب.

ثم تثني الأستاذة على «حفاوة الاستقبال والدقة في التنظيم»، وهي إشادة تكشف أن النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل منظم، واحترام للتفاصيل، وتقدير للمشاركين. فالدقة في التنظيم ليست مسألة تقنية فحسب، بل تعبير عن احترام الفكرة، والوقت، والإنسان، وهي عناصر لا تقل أهمية عن المحتوى العلمي ذاته.

وتختم الأستاذة شهادتها بقولها: «قضينا أيامًا ماتعة مفيدة، متميزة»، وهي خلاصة تجمع بين المتعة والفائدة، بين البعد المعرفي والبعد الإنساني، وتؤكد أن الملتقى استطاع أن يحقق معادلة نادرة، قلّما تجتمع في مثل هذه الفعاليات. ثم تأتي الدعوة الصادقة: «دمتم ودام عطاؤكم، وجعل أعمالكم في ميزان حسناتكم»، لتمنح للشهادة بعدها القيمي والروحي، وتؤكد أن العمل في هذا المجال ليس مجرد مهنة، بل عبادة بالمعنى الواسع، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون التزامًا مهنيًا.

إن شهادة الأستاذة ثورية هديوي، بصفتها سفيرة للقراءة وكوتشًا تربويًا وأسريًا، لا تُقرأ بوصفها رأيًا فرديًا معزولًا، بل بوصفها مرآة صادقة لروح ملتقى حمل همّ الأسرة، واستشرف أفق الإصلاح، وجعل من التنمية رسالة إنسانية تتغذى من القيم، وتُراكم أثرها في صمت، بثبات، وبصيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *