ورزازات: مائدة مستديرة تضع العدالة المجالية بجهة درعة تافيلالت تحت المجهر
العربية بريس – عبد الله أيت المؤدن
تُعدّ العدالة المجالية إحدى الركائز الأساسية لبناء مغرب ديمقراطي حديث، باعتبارها ترجمة عملية لحقوق الإنسان في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية، وليست مجرد توزيع تقني للميزانيات أو تصور نظري للتنمية. وفي ظل الإكراهات البنيوية التي تواجه جهة درعة تافيلالت، يبرز إقليم ورزازات كنموذج يستدعي نقاشًا عموميًا مسؤولًا ونقدًا بنّاءً للسياسات العمومية المعتمدة.
وفي هذا السياق، احتضنت القاعة الكبرى بالقصر البلدي بورزازات، يوم السبت 31 يناير 2026، أشغال مائدة مستديرة رفيعة المستوى تحت عنوان: “العدالة المجالية وسؤال التنمية بجهة درعة تافيلالت: إقليم ورزازات نموذجًا”، من تنظيم النسيج الجمعوي للتنمية بورزازات.
وشهد اللقاء مشاركة أزيد من 80 فاعلًا من المجتمع المدني والجمعيات المحلية، إلى جانب خبراء وباحثين، مع حضور لافت لوسائل الإعلام، ما عكس أهمية الموضوع المطروح وراهنيته.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد عز الدين تستفت، رئيس النسيج الجمعوي للتنمية بورزازات ومسير الندوة، أن هذا اللقاء يندرج ضمن البرنامج السنوي للنسيج، الرامي إلى تعزيز أدوار المجتمع المدني في تتبع ومواكبة وتقييم السياسات العمومية. وشدد على أن الترافع حول قضايا التنمية لم يعد خيارًا، بل ضرورة يفرضها الإطار الدستوري والقانوني للمملكة، مبرزًا أن هذه المائدة المستديرة تشكل انطلاقة لسلسلة من اللقاءات الترافعية المقبلة على صعيد الإقليم والجهة.
ومن جهته، أوضح عمر نجا، المدير التنفيذي للنسيج الجمعوي للتنمية بورزازات، في تصريح لـ“العربية بريس”، أن هذه المحطة تهدف إلى تشخيص مكامن الخلل التي تعيق تحقيق التوازن الترابي، وتمكين الفاعلين المحليين من آليات الترافع الفعال، بما يضمن نصيبًا عادلًا لإقليم ورزازات من ثمار التنمية الوطنية والجهوية.
وعرفت المائدة المستديرة تقديم مداخلات علمية وحقوقية وازنة؛ حيث شدد الفاعل الحقوقي عبد اللطيف قاسم على ضرورة الانتقال إلى منطق “الإنصاف المجالي” عبر اعتماد التمييز الإيجابي. فيما دعا الدكتور نور الدين ساليمي إلى ربط التخطيط التنموي بمؤشرات دقيقة قابلة للقياس والمساءلة، بعد تقديمه قراءة نقدية لوثيقتين مرجعيتين في هذا المجال.
كما توقف الدكتور مصطفى فوزي، من خلال قراءة سوسيولوجية، عند أهمية الحكامة الترابية في تثمين الموارد المحلية، في حين قدم الأستاذ عبد العالي نعيم قراءة سياسية انتقد فيها تداخل الاختصاصات وضعف أداء بعض النخب، مما يحد من نجاعة المشاريع التنموية، مؤكدًا على ضرورة الفصل بين السلطتين المعينة والمنتخبة، واعتماد مقاربة الإنصاف الضريبي كنموذج لتحقيق العدالة المجالية، مع مراعاة الخصوصيات التي تميز جهة درعة تافيلالت.
وبناءً على المداخلات والنقاش المستفيض، خلص المشاركون إلى مجموعة من التوصيات الاستراتيجية، التي سيجري تفصيلها لاحقًا في بيان رسمي للنسيج الجمعوي، من أبرزها:
على المستوى المؤسساتي والحكامة: تفعيل مقتضيات الجهوية المتقدمة، وتوضيح الاختصاصات، وإحداث آلية جهوية لليقظة التنموية تُشرك المجتمع المدني في تتبع البرامج.
على مستوى الإنصاف الترابي: اعتماد التمييز الإيجابي لتوجيه استثمارات مكثفة لقطاعي الصحة والتعليم، وتوطين الخدمات العمومية وتقريبها من المواطنين.
على المستوى الاقتصادي والاجتماعي: تشجيع الاستثمار المنتج، خصوصًا في مجالات السينما والطاقة الشمسية والسياحة، وربط التخطيط بمؤشرات الأثر لقياس التحسن الفعلي في ظروف عيش الساكنة.
على مستوى المجتمع المدني: مواصلة تقوية القدرات الترافعية للفاعلين المحليين، ومأسسة الحوار الدائم مع المؤسسات المنتخبة والمعينة.
ويؤكد المنظمون أن تحقيق العدالة المجالية بجهة درعة تافيلالت يظل رهينًا بإرادة سياسية حقيقية تضع الإنسان في صلب السياسات العمومية، وتؤمن بأن قوة الوطن تنبع من قوة أقاليمه، وهو ما يسعى النسيج الجمعوي للتنمية بورزازات إلى تكريسه على أرض الواقع.