في مشهد إنساني مأساوي يتكرر مع بداية كل عام
بقلم محمد الفيلالي
، كشفت تقديرات المنظمة الدولية للهجرة عن مصرع ما لا يقل عن 655 مهاجراً خلال شهري يناير وفبراير الماضيين في عرض البحر الأبيض المتوسط، فيما تذهب منظمات غير حكومية محلية إلى أرقام أكثر قتامة، متحدثة عن تجاوز عدد الضحايا لحاجز الألف وفاة.
هذا التفاوت اللافت في الأرقام، الذي سلطت عليه الضوء الصحفية سيسيل لوموان في مقال نشرته جريدة «لاكروا» الفرنسية، يعكس صعوبة توثيق عدد الضحايا بدقة في ما بات يوصف بـ”المقبرة الواسعة” للبحر الأبيض المتوسط. كما يكشف عن اختلاف واضح في منهجيات الإحصاء بين الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية، فضلاً عن حضور العامل السياسي في تحديد هذه الأرقام، في ما يشبه “معركة أرقام” تدور خلف الكواليس.
وتتعدد طرق جمع البيانات بين مختلف الفاعلين، من حكومات ومنظمات دولية إلى جمعيات محلية صغيرة، حيث يعتمد كل طرف على أدواته الخاصة، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى فروقات كبيرة في الإحصاءات المتعلقة بالمهاجرين الذين لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الوصول إلى السواحل الأوروبية انطلاقاً من إفريقيا.
وقد تجلى هذا التباين بشكل صارخ خلال سنة 2024، إذ أعلنت منظمة «كامناندو فرونتيرا» الإسبانية تسجيل 9757 حالة وفاة على طريق جزر الكناري، في حين لم تتجاوز الحصيلة التي قدمتها المنظمة الدولية للهجرة 1215 حالة فقط لنفس المسار.
ورغم هذا الاختلاف، تؤكد بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن بداية العام الجاري تُعد الأسوأ منذ انطلاق عمليات الإحصاء سنة 2014، خاصة في ظل تأثير العوامل المناخية القاسية، مثل العواصف البحرية، التي ساهمت بشكل كبير في ارتفاع عدد المفقودين، من بينها إعصار «هاري».
في المقابل، تعتمد العديد من المنظمات غير الحكومية على أساليب ميدانية أكثر قرباً من الواقع، من خلال ما يعرف بـ”الخرائط التشاركية” وجمع الشهادات المباشرة من المهاجرين وعائلاتهم، ما يمنحها قدرة أكبر على رصد الحالات غير الموثقة رسمياً، خصوصاً على الطرق البحرية الأكثر خطورة، وعلى رأسها طريق المحيط الأطلسي نحو جزر الكناري.
وتبقى هذه الأرقام، مهما اختلفت، شاهداً على مأساة إنسانية مستمرة، تتطلب تحركاً دولياً عاجلاً للحد من نزيف الأرواح في طرق الهجرة غير النظامية، التي تحولت إلى رحلات محفوفة بالمخاطر، يدفع ثمنها الأبرياء الباحثون عن أفق أفضل.