
*الشرقي السروتي يوقِد هشيم الخشبة في “شعلو الضو”.. عرضٌ يحرّض على الحياة*
بقلم حبيل رشيد.
يقول الفنان بيتر بروك:
“المسرح لحظةُ حقيقةٍ عارية؛ يكفي أن يلتقي إنسانان على خشبة حتى يولد الكون من جديد.”
في مساء الخامس من دجنبر 2025، كانت مدينة الفقيه بن صالح على موعد مع حدثٍ فنيّ لا يشبه ما قبله ولا ما سيأتي بعده بسهولة؛ ليلةٌ تُسجَّل في ذاكرة الثقافة المغربية باعتبارها إحدى اللحظات التي شعر فيها الجمهور أنّ المسرح ليس مجرّد فرجة، بل ارتجاج داخلي يوقظ ما خمد في الروح، وأن الخشبة حين يعتليها مبدعون من طينة الشرقي السروتي، فإنها تتحوّل إلى كائن ينبض، يلهث، يصرخ، ويمنح الضوء لجمهورٍ كان ينتظر منذ زمن شرارة توقظه.
بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وبشراكة نوعية مع المديرية الجهوية للثقافة بجهة بني ملال–خنيفرة، والمجلس الجماعي للفقيه بن صالح، وجمعية النون والفنون، وُلد العرض المسرحي “شعلو الضّو” كولادةٍ مكتملة، مُحكمة، محمولة على رؤية مسرحية تشبه الإرادة حين تتجسّد، وتشبه الحلم حين يتجسّد على هيئة فعلٍ حيّ يتدفّق بدون تردد. ولم يكن هذا العمل ليُكتب له هذا السطوع لولا وجود تلك البصمة الخاصة التي ينفرد بها الشرقي السروتي؛ بصمة تُحيل إلى تجربة طويلة، وإلى احتقان جميل، وإلى قدرة على تحويل المشاهد إلى جزء من الدم الجاري داخل العرض نفسه.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن السروتي لا يقدّم نصًا مسرحيًا فحسب، بل يقدّم حالة. حالة محكمة النسج بين الواقع والمتخيَّل، بين الظلام والنور، بين لغته التي تشبه صهيلًا خفيًا، وأدائه الذي يخرج عن المألوف ليخلق المألوف من جديد. فالعرض، في عمقه، ليس إلا اشتباكًا واسعًا مع زمنٍ يضيق، ومع واقعٍ ينتظر من يضيء آخر ممراته. لذلك كان اسم العرض — شعلو الضّو — ليس مجرد عنوان، بل دعوة، صرخة، ووصية مسرحية.
من يشاهد الأداء يدرك أنّ الشرقي السروتي لا يلعب دورًا، بل يصبح الدور. يتحرّك على الخشبة كما لو أنه يكتب على هواء المسرح نصًّا لم يُكتب من قبل، ويغرس في كل خطوة إيقاعًا، وفي كل سكون معنى، وفي كل نظرة صرخة مكبوتة. الجمهور لم يكن يشاهد ممثلًا؛ كان يشاهد كائنًا يتوالد في كل لحظة، يتكسّر ليُعاد تشكيله، وينطفئ ليشتعل مرّة أخرى. وهذه القدرة على التحوّل اللحظي ليست إلا نتيجة خبرة فنية تعرف أن المسرح ليس انفعالًا بقدر ما هو فنّ السيطرة على الانفعال، وتحويله إلى طاقة تُبنى عليها جمالية العرض.
ولأن المسرح ليس خشبة فقط، بل فضاء روحي، فقد كان التعاون المؤسسي والجماهيري المحيط بالعرض جزءًا من سحره. احتضان وزارة الشباب والثقافة والتواصل لهذا العمل يعكس رؤية تُدرك أن الفعل المسرحي من صميم بناء الوعي الجماعي، وأن دعم العروض القوية لا يحمّل الدولة عبئًا، بل يدعم رصيدها الثقافي. وكذلك الدور الفعّال للمديرية الجهوية للثقافة بجهة بني ملال–خنيفرة، التي أتقنت كما يبدو فنّ المواكبة ورسم فضاءٍ يسمح للمبدعين بقول كلماتهم علنًا دون خوف، بل بكثير من الفخر والمسؤولية.
كما كان المجلس الجماعي للفقيه بن صالح شريكًا في صناعة هذا الضوء، إذ وفّر الأرضية اللوجستيكية والتنظيمية التي يتحرك فوقها العرض في تناغم واضح بين المؤسسات والطاقات المحلية. ولم يكن هذا الجهد ليتحقق لولا جمعية النون والفنون، التي أسهمت في تحويل الفضاء المسرحي إلى ورشة حياة، إلى مختبرٍ لاكتشاف معنى الفرجة الحقيقية، حيث المسرح ليس متعةً فقط، بل مساءلة عميقة لأسئلة الإنسان.
والفعل المسرحي لا يكتمل دون عينٍ تلتقط اللحظة، تصنع من الزمن ذاكرة، ومن الصورة وثيقة. هنا كان حضور عدسة المبدع زهير التومي ضروريًا، إذ تحوّلت صوره إلى جزء من العرض نفسه. فالمسرح وإن كان فنًا حيًّا، يحتاج لمن يوثّق لحظته، لمن يحول شرارته إلى أرشيف جميل، لمن يلحق الضوء بالضوء. الصور التي التقطها التومي ليست فقط توثيقًا، بل قراءة بصرية تمنح العرض حياة ثانية.
أما على مستوى البناء الدراماتورجي، فالعرض يشتغل على ثنائية الظلمة/الضوء بطريقة تجعلك تشعر بأن كل حركة وكل جملة وكل ومضة ضوء على الخشبة ليست اعتباطية. هناك هندسة دقيقة خلف كل مشهد، توازن مدروس بين لحظات الهدوء ولحظات الانفجار، بين الخطاب المباشر والخطاب الرمزي، بين الواقعي والغرائبي. وهذا يؤكد أن العمل لم يأتِ من فراغ، وأن هناك طبقات متداخلة من الاشتغال، تجعل “شعلو الضّو” ليس عرضًا للاستهلاك السريع، بل عرضًا قابلًا للقراءة المتكررة، ومفتوحًا على تأويلات عديدة.
الشرقي السروتي، في الأداء، يمارس المسرح كأنّه يمارس قدرًا شخصيًا، يستحضر داخله ماضي الخشبة المغربية، ويستشرف مستقبلها، ليقدّم عرضًا مسكونًا بأسئلة الإنسانية: أسئلة القهر، الظلم، الفقر، الصراع، الحلم، والانبعاث. وكأنّ المسرحية تقول بصوت واحد: هذا وطنٌ ينتظر الضوء، فلا تتركوه في العتمة.
إن اختيار الفقيه بن صالح لاحتضان العرض لم يكن مجرد محطة ضمن جولة، بل كان حدثًا ينبض بدلالة عميقة. فالمدينة ذات الطابع الاجتماعي الخاص، المحاطة بروح الشباب والحياة اليومية الصاخبة، بدت كأنها مسرح طبيعي جاهز لاستقبال عرض يشتبك مع الأسئلة التي يعيشها الناس. الجمهور كان مُنصتًا إلى درجة الذهول، مأخوذًا إلى عمق اللحظة، يتنفس مع الممثل، ويصمت معه، ويشتعل معه.
ولعل قوة العرض تكمن في قدرته على إحياء العلاقة القديمة بين المسرح والمتلقي: علاقة الاعتراف، حيث يتعرّف المتفرج في العمل على جزء من ذاته، جزء خفي كان يبحث عمّن ينطقه نيابة عنه. وهنا يظهر جوهر المسرح الذي يتحدث عنه بيتر بروك في قولته الافتتاحية: أنّ المسرح يولد حين يتواجه إنسانان على الخشبة، ويتحوّل هذا اللقاء البسيط إلى كونٍ كامل.
من زاوية تقنية، نلاحظ أن الإضاءة في العرض ليست مجرد عنصر مساعد، بل جزء من السرد الدرامي. الضوء في “شعلو الضو” لا يكشف فقط، بل يروي، يهمس، يعيد تشكيل الفضاء، يخلق مستويات المعنى، ويمنح الممثل قدرة على التحول داخل الظل والنور. أما الموسيقى فكانت تتحرك كأنها ذاكرة العرض، مترددة بين الحنين والغضب، بين الانكسار والأمل، في توازن فني يُظهر أن العمل اشتغل على التفاصيل بحساسية عالية.
أما الديكور، فرغم بساطته الظاهرة، فإنه يقوم بوظيفة رمزية مُحكمة. فهو ليس خلفية جاهزة، بل فضاءٌ يتحرك مع الممثل ويتغير حسب توتر المشاهد. وهذه البساطة المحكمة جزء من جمال العرض، لأنها تسمح للممثل بأن يكون محور الكون المسرحي، وتجعل المتلقي يتابع الفعل الحيّ بدل التشتت في زخرفة بصرية لا ضرورة لها.
في النهاية، يمكن القول إن “شعلو الضّو” لم يكن مجرد عرض مسرحي، بل كان حدثًا إنسانيًا. حدثًا جعل الجمهور يتذكّر لماذا نحتاج المسرح، ولماذا يظل الفن أكبر من الترفيه، ولماذا يبقى المبدع الحقيقي — مثل الشرقي السروتي — قادراً على إعادة بناء العلاقة بين الإنسان ونفسه.
الشرقي السروتي لم يقدّم عرضًا عاديًا، بل قدّم بوصلة. بوصلة تُشير إلى الضوء في زمن تكثر فيه الظلال، وتذكّرنا بأن المسرح — منذ بدايات الإنسانية — كان أكثر من حكاية: كان مرآة، وكان نارًا، وكان ضوءًا.
وما دام هناك فنانون قادرون على إشعال الخشبة كما أشعلها السروتي، وما دامت هناك مؤسسات تؤمن بقيمة المسرح كما آمنت بها الجهات الداعمة، وما دام هناك جمهور يذهب إلى العروض بقلبٍ مفتوح ورغبةٍ في التغيير، فإن الضوء لن يخبو. بل سيواصل الاشتعال، وسيبقى المسرح في المدن المغربية، كما كان دائمًا، منارةً لا تتعب من الإضاءة.